الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
80
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الحكم في أوّل أمر التحريم أن لا تقع الحرمة إلّا بعشر رضعات ثمّ نسخن بخمس ، لحديث عائشة « كان فيما أنزل اللّه عشر رضعات معلومات يحرّمن ثمّ نسخن بخمس معلومات فتوفّي رسول اللّه وهي فيما يقرأ من القرآن » وبه أخذ الشافعي . وقال الجمهور : هو منسوخ ، وردّوا قولها ( فتوفّي رسول اللّه وهي فيما يقرأ ) بنسبة الراوي إلى قلّة الضبط لأنّ هذه الجملة مسترابة إذ أجمع المسلمون على أنها لا تقرأ ولا نسخ بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وإذا فطم الرضيع قبل الحولين فطاما استغنى بعده عن لبن المرضع بالطعام والشراب لم تحرم عليه من أرضعته بعد ذلك . وقوله تعالى : وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ إطلاق اسم الأخت على التي رضعت من ثدي مرضعة من أضيفت أخت إليه جرى على لغة العرب ، كما تقدّم في إطلاق الأمّ على المرضع . والرضاعة - بفتح الراء - اسم مصدر رضع ، ويجوز - كسر الراء - ولم يقرأ به . ومحلّ مِنَ الرَّضاعَةِ حال من أَخَواتُكُمْ و ( مِنَ ) فيه للتعليل والسببية ، فلا تعتبر أخوّة الرضاعة إلّا برضاعة البنت من المرأة التي أرضعت الولد . وقوله : وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ هؤلاء المذكورات إلى قوله : وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ هنّ المحرّمات بسبب الصّهر ، ولا أحسب أنّ أهل الجاهلية كانوا يحرّمون شيئا منها ، كيف وقد أباحوا أزواج الآباء وهنّ أعظم حرمة من جميع نساء الصهر ، فكيف يظنّ أنهم يحرّمون أمّهات النساء والربائب وقد أشيع أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم يريد أن يتزوّج درّة بنت أبي سلمة وهي ربيبته إذ هي بنت أمّ سلمة ، فسألته إحدى أمّهات المؤمنين فقال : « لو لم تكن ربيبتي لما حلّت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة » ، وكذلك حلائل الأبناء إذ هنّ أبعد من حلائل الآباء ، فأرى أنّ هذا من تحريم الإسلام وأنّ ما حكى ابن عطية عن ابن عباس « 1 » ليس على إطلاقه . وتحريم هؤلاء حكمته تسهيل الخلطة ، وقطع الغيرة ، بين قريب القرابة حتّى لا تفضي إلى حزازات وعداوات ، قال الفخر : « لو لم يدخل على المرأة أبو الرجل وابنه ، ولم تدخل على الرجل امرأته وابنتها ، لبقيت المرأة كالمحبوسة . ولتعطّل على الزوج والزوجة أكثر المصالح ، ولو كان الإذن في دخول هؤلاء دون حكم المحرمية فقد تمتدّ عين البعض إلى البعض وتشتدّ الرغبة فتحصل النفرة الشديدة بينهنّ ، والإيذاء من الأقارب أشدّ إيلاما ،
--> ( 1 ) تقدم في صفحة 78 ( من هذه الصفحات ) .